الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

86

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

المجتمع ، بل يحكم قواعده وأسسه بصورة أفضل . إن الله سبحانه أوجد الغريزة الجنسية في الإنسان لحفظ النسل ، وكل مذهب أو قانون يتعارض مع هذه الغريزة فإنه باطل . الزهد الإسلامي الذي يعني البساطة في الحياة والابتعاد عن الكماليات ، وعدم الوقوع في أسر المال والموقع - لا يرتبط أصلا بمسألة الرهبانية ، لأن الرهبانية تعني الانفصال والغربة عن المجتمع ، والزهد يعني التحرر من الماديات والترفع عن المغريات لكي تتم المعايشة بصورة اجتماعية أفضل . ونقرأ في قصة " عثمان بن مظعون " في موت ولده أنه لم يعد يخرج للعمل حزنا عليه ، وانشغل في العبادة وترك كل عمل سواها وجعل من بيته مسجدا . . . فعندما وصل خبره للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، أحضره وقال له : " يا عثمان ، إن الله تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانية ، إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله " ( 1 ) . وذلك إشارة إلى أن الإعراض عن الحياة المادية والانزواء الاجتماعي ، وتعطيل الأعمال بصورة سلبية ، يجب أن يصب في مسير إيجابي ، وذلك بالجهاد في سبيل الله . ثم أن الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بين له بعض فضائل صلاة الجماعة ، والتي هي تأكيد على نفي الرهبانية في الشرع الإسلامي . وفي حديث عن الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) عندما سأله أخوه علي بن جعفر : الرجل المسلم هل يصلح أن يسيح في الأرض أو يترهب في بيت لا يخرج منه قال ( عليه السلام ) : " لا " . وتوضيح ذلك : إن السياحة التي نهي عنها في هذه الرواية ، هي تلك الممارسة التي تكون على مستوى الرهبانية ويمكن أن نطلق عليها ( الرهبانية السيارة ) وذلك أن بعض الأفراد قبل أن يوفروا لأنفسهم المستلزمات الأساسية لحياتهم من

--> 1 - بحار الأنوار ، ج 70 ، ص 114 باب النهي عن الرهبانية ، حديث 1 .